التّقديس بالحقّ
- التفاصيل
- الزيارات: 173
"قَدِّسهُم في حَقِّك، كلامُك هو حَقّ" - يوحنّا 17: 17
أيّها الأحبّاء، لاحظوا كيف أنّ الله جمع بين القداسة والحقّ.
هناك، اليوم، ميل إلى التّمييز بين الحقّ العقائديّ والحقّ المسلكيّ. بعضهم يقول إنّ المسيحيّة هي حياة وليست قانون إيمان. لكنّها حقيقة مُجتَزأة وقريبة جدًّا من الكذب؛ فالمسيحيّة حياة تنبت من الحقّ. يسوع المسيح هو الطّريق والحقّ، كما أنّه الحياة، ولا يقدر أحد أن يقبله إلاّ في هذه الميزات مجتمعة. ولا حياة مقدَّسة فينا إن آمنّا بالضّلال. إنّ التّقديس الظّاهر يأتي من تدريب الإيمان القلبيّ، وإلاّ فهو مجرّد ثوب خارجيّ. والأعمال الصّالحة هي ثمرة الإيمان الحقيقيّ الّذي هو إيمان مُخلِص بالحقّ. كلّ حقيقة تقود نحو القداسة، وكلّ خطأ في العقيدة، مباشر وغير مباشر، يقود إلى الخطيّة، وكلّ التواء في الفهم يقود حتمًا إلى التواء الحياة عاجلاً أم آجلاً. إنّ رسم خطّ حقّ مستقيم على القلب يُنتِج مسارًا مباشرًا في حياة النّعمة.
لا تظنّ أنّ بإمكانك العيش في فساد روحيّ أو زغل عقائديّ وتكون في وضع روحيّ صحّيّ، أو أن ترتكب خطأً جسيمًا، وفي الوقت نفسه تقف أمام الله بوجه غير ملوم. الله نفسه لا يُقدِّسنا إلاّ بالحقّ. وحده التّعليم المأخوذ من كلمة الله يُقدِّسنا، أمّا التّعليم الّذي ليس حقًّا، وليس فيه حقّ الله، فلا يقدر أن يُقدِّسنا. يمكن للخطأ أن ينفخنا، وأن يجعلنا نظنّ أنّنا مُقَدَّسين، لكن هناك فرق كبير بين الافتخار بالقداسة واختبارها من جهة، والتّكبّر على النّاس وقبول الله لنا من جهة ثانية. صدقًا، إنّ الله يُقدِّسنا بالحقّ وليس بشيء آخر.
لكن، ما هو الحقّ؟ هل هو إعلان إلهيّ خاصّ بوساطة ما؟ بصوت أو حلم أو انطباع معيّن؟ أيّها الإخوة، احذروا السّقوط في هذه الضّلالة، فكلمة الله لنا هي في الأسفار المقدّسة. الحقّ الّذي يُقدِّس النّاس يكمن في كلمة الله. لا تسمعوا للصّارخين: "إنّه هنا" أو "إنّه هناك"، فكثيرون هم الّذين يدّعون إعلانات خاصّة بهم. جاءني أحدهم مرّة قائلاً إنّ الله حمَّله رسالة خاصّة لي. فأجبته: "لا يا سيّد، إنّ الله يعرف أين أسكن، وهو قريب منّي، وليس بحاجة إلى أن يُرسِل لي رسالة مع أحد". وهناك مَن يُعلِن، وباسم الله، عقيدة جديدة تظهر أنّها مسيحيّة، ويقول إنّ الرّوح القدس قال له كذا وكذا؛ ولكنّها ليست سوى كذبة ضدّ الرّوح القدس. ونحن نعرف أنّ الرّوح القدس لا يُناقِض نفسه، فنُجيبه قائلين: "إن كان إعلانك يتوافق مع الكتاب المقدّس، فهو ليس بالأمر الجديد لنا". أيّها الإخوة، إنّ الكتاب المقدّس وحده كافٍ لنا، إذ إنّ الله لا يستخدم سواه، والرّوح القدس يُحرّك كلماته في قلوبنا.
الحقّ ليس رأيك ورأيي، أو رسالتك وتعليمي. قال الرّبّ يسوع: "كلامُك هو حَقّ". إذًا، ما يُقدِّس النّاس ليس أيّ حقّ، بل الحقّ المُعلَن في كلمة الله. قال يسوع: "كلامُكَ هو حَقّ". يا لهذه البَرَكَة الّتي نتمتّع بها، إذ إنّ كلّ الحقّ الضّروريّ لتقديسنا مُعلَن في كلمة الله. لذلك، علينا ألاّ نُتعِب أنفسنا في البحث عن الحقّ هنا وهناك، بل الاكتفاء بقبول هذا الحقّ الإلهيّ المُعلَن لنا في الكتاب المقدّس، لفائدتنا الرّوحيّة العظيمة. لن يكون هناك مزيد من الإعلانات، فلا حاجة إليها. إنّ قانون الأسفار المقدّسة قد خُتِم، وهو كامل؛ ومَن يزيد عليه، يزيده الله عدد الضّربات المكتوبة في هذا الكتاب. ولماذا نحتاج إلى المزيد من الإعلانات، بينما لنا هنا كفايتنا لكلّ حاجة عمليّة: "قَدِّسهُم في حَقِّك، كلامُك هو حَقّ".
هذا الحقّ مُثبّت في الأسفار المقدّسة الّتي لا يُزاد عليها ولا يُنقص منها، وهي لا تسقط أبدًا. حتّى إنّ الله لا يُعيد كتابة الأسفار أو صياغتها، ولن يفعل ذلك أبدًا؛ فالإيمان قد سُلِّم مرّة، وإلى الأبد، للقدّيسين، وهو يثبت إلى الأبد. دعونا نتعهّد، للّذي أعطانا هذا الكتاب، ألاّ نحيد عن شهاداته. فالأسفار المقدّسة وحدها حقيقة مُطلَقَة وضروريّة، وذات سلطة، وغير مخفَّفة. إنّها حقيقة أزليّة أبديّة. إنّ الحقّ الوارد في هذا الكتاب كافٍ لكي يقودنا إلى الأبديّة، وسيستخدمه الله دائمًا لهذا الهدف.
إذًا، تعلّموا، يا أحبّائي، أهميّة أن تفتّشوا الأسفار بجدّيّة، وأن تقرأوا كلمة الله بِوَلَع. إن كان هذا هو الحقّ الّذي يُقدّسنا الله به، فدعونا نتعلّمه ونحمله ونثبت فيه، ونتعهّد للقدّوس الّذي أعطانا هذا الكتاب المقدّس، ألاّ نبتعد عن شريعته؛ فبالنّسبة إلينا، كلمة الله هي "الحقّ". ولكن، ماذا عن الّذين يُعلّمون عكس هذا في كلّيّات اللاّهوت؟ دعهم يقولون ما يشاؤون. وماذا عن الوعّاظ الّذين يتفوّهون، وبكلمات مُنمَّقَة، عكس ذلك؟ إنّهم أحرار، فكلماتهم ليست سوى هراء، وألسنتهم ليست أكثر من تراب. وماذا عن الفلاسفة الّذين يُناقضونها؟ دعهم يفعلون. ما همُّك؟ مَن هم هؤلاء؟ إنّهم لم يعرفوا كلمة الله. أمّا نحن، فلنتشدّد في قناعتنا بأنّ الأسفار المقدّسة هي كلمة الله. وبعدها، لنعترف أنّنا لا نعرف الكتاب المقدّس كما يجب حتّى نتقدّس به. نحن لا نحمل الحقّ بطريقة صحيحة، إلاّ إذا قادنا في حياة صحيحة. كما لو أنّك استعملت ظهر السّكّين فإنّه لا يقطع، هكذا الحقّ أيضًا، له ظهره وشفرته، فانتبه إلى كيفيّة استعماله. كما أنّك تستطيع أن تجعل الحياة العذبة تقتل إنسانًا ما، كذلك عليك استخدام كلّ ما هو صالح بطريقة صالحة، وإلاّ لما ظهر صلاحه. أمّا الحقّ، فعندما يُستخدَم بالتّمام وبطريقة صحيحة، يُدمِّر الخطيّة، وينمّي النّعمة، ويخلق شهوات مقدَّسة، ويدفع إلى أعمال سامية.
أيّها الأحبّاء، أُصلّي أن نُزيِّن حياتنا بعقيدة الله ومخلِّصِنا في كلّ شيء. بعضهم، للأسف، لا يفعل هذا. وأقول ذلك بألم وخجل شديدين. إنّ نقطة الضّعف هي في إخفاق بعض أعضاء كنائسنا في حياة القداسة. وإذا أخفقتم أنتم أيضًا، فأيّة شهادة نقدّمها للعالم؟ إذا كانت عائلاتكم غير مُسيَّرة بالنّعمة، وأعمالكم غير مُحرَّكَة بمبادئ الاستقامة والأمانة، وكلماتكم مطعون في صدقيّتها وغير طاهرة، وحياتكم مكشوفة لتوبيخ قاسٍ، فكيف يمكن لله أن يقبلكم ويُرسِل بَرَكة للكنيسة الّتي تنتمون إليها؟ إنّها أكذوبة وضلالة عندما تقولون إنّكم "شعب الله"، وأهل العالم يُعيبونكم. إنّ إيمانكم بالمسيح الرّبّ يجب أن يعمل في حياتكم لكي تكونوا أمناء وصحيحين؛ ويُدقّق فيكم ويُحرّككم، ويردعكم عن هذه ويقودكم إلى عمل تلك، ويعمل باستمرار في فكركم وقولكم وعملكم، وإلاّ لما برهنتم أنّكم تعرفون شيئًا من قوّته المُخلِّصَة.
كيف بإمكاني أن أتكلّم بوضوح وقوّة؟ لا تأتوا إليَّ باختباراتكم وقناعاتكم واعترافاتكم، إن كنتم لا تعيشون على مستواها. أرجوكم، باسم ذلك الّذي صلّى هذه الصّلاة، قبل أن يصطبغ وجهه بقَطَرات العرق والدّم، دعونا نصرخ بشدّة إلى الآب: "قدِّسنا في حقِّك، كلامُك هو حَقّ". ليس هناك حقّ بالنّسبة إلَيّ، إلاّ الكتاب المقدّس، هذه الكلمات المعصومة الّتي أوحَى بها روح الله. من الواجب علينا أن نُظهر التّأثير المقدّس لهذا الكتاب.
نذورنا للرّبّ علينا. فمسيرتنا النّقيّة تزيدنا شكرًا لِمَن نقلنا من الظّلمة إلى نوره العجيب. الكتاب المقدّس هو كنزنا، وكلّ صفحة فيه غالية علينا؛ فدعونا ننتبه إليه، ونُجلِّده بأحسن طريقة، ونضعه في أفضل غلاف، غلاف الإيمان الزّكيّ، ثمّ نُرصِّع الغلاف بحياة المحبّة والحقّ والطّهارة والغيرة الحَسَنة. عندها، يمكننا أن نُوحي بهذا الكتاب إلى هؤلاء الّذين لم يقرأوه بعد. أيّها الإخوة، هذا الدُّرج المقدَّس والمختوم بسبعة ختوم، يجب ألاّ يُحمل بأيدٍ مُدنَّسَة وملوَّثَة، بل بأيدٍ طاهرة وقلوب مقدَّسة، وعلينا أن نرفعه عاليًا وننشره بين النّاس.

